محمد حسين هيكل

331

حياة محمد ( ص )

على البرّ والتقوى ، ورحم قويّهم ضعيفهم ، ونزل غنيّهم لفقيرهم عن حظّ من ماله . وهذه هي الزكاة والمزيد عليها هو الصدقة . والقرآن يقرن الزكاة إلى الصلاة في كثير من المواضع . وقد تلوت قوله تعالى : ( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ ) « 1 » . ويقول تعالى : ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) « 2 » . ويقول جلّ شأنه : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ) « 3 » . والآيات التي تقرن الزكاة إلى الصلاة كثيرة . وما ورد في القرآن عن الزكاة وعن الصدقة مستفيض قويّ غاية القوّة . وهو يضع الصدقة في المكان الأول من فعل الخير الذي يجزى الإنسان عليه الجزاء الأوفى . بل هو يضعها إلى جانب الإيمان باللّه حتى لتشعر بأنها تكاد تعدله بقوله تعالى : ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ . إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) « 4 » . ويقول جلّ شأنه : ( . . . وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ . الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) « 5 » . ويقول تبارك وتعالى : ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) « 6 » . أدب الصدقة ولا يقف القرآن عند ذكر الصدقات ، ومثوبة صاحبها عند اللّه كمثوبة من آمن به وأقام الصلاة ، بل ينظم أدب هذه الصدقات تنظيما هو السموّ كله . يقول تعالى : ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) « 7 » . ويقول : ( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) « 8 » . ويقول جل شأنه في بيان من تكون لهم هذه الصدقات : ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) « 9 » . الزكاة عبادة الزكاة والصدقة فريضة من فرائض الإسلام ، وركن من أركانه ، لكن أعبادة هذا الفرض ، أم هو أدخل في الأخلاق وتهذيبها ؟ هو عبادة لا ريب ؛ فالمؤمنون إخوة ، ولا يتم إيمان المرء حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه . فالمؤمنون يتحابون بنور اللّه بينهم . وفريضة الزكاة والصدقة تتصل بهذا الإخاء ، ولا تتصل بالأخلاق وتهذيبها ولا بالمعاملات وتنظيمها . وما اتصل بالإخاء اتصل بالإيمان باللّه . وكل ما اتصل بالإيمان فهو عبادة . ولذلك كانت الزكاة ركنا من أركان الإسلام الخمسة . ومن أجل ذلك قام أبو بكر بعد وفاة النبيّ يطالب المسلمين بأدائها ، فلمّا رأى بعضهم النكول عنها ، رأى خليفة محمد في هذا النكول ضعفا في إيمانهم

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 177 . ( 2 ) سورة البقرة آية 43 . ( 3 ) سورة المؤمنون الآيات من 1 إلى 4 . ( 4 ) سورة الحاقة الآيات من 30 إلى 34 . ( 5 ) سورة الحج آيتا 34 و 35 . ( 6 ) سورة البقرة آية 274 . ( 7 ) سورة البقرة آية 271 . ( 8 ) سورة البقرة آيتا 263 و 264 . ( 9 ) سورة التوبة آية 60 .